عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
805
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
قال ابن جرير : وهذا القول خطأ مخالف لإجماع أهل التأويل عَلَى أن قوله : { وَلَقَدْ عَلِمُوا } أنَّه عائد إِلَى اليهود الذين اتبعوا ما تتلوا الشياطين عَلَى ملك سليمان ، ثم اختار ابن جرير أن الذين علموا أنَّه لا خلاق لمن اشتراه هم اليهود والذين قيل عنهم : { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } هم الذين يتعلمون من الملكين ، وكثيرًا ما يكون فيهم الجهَّال بأمر الله ووعده ووعيده ، وهذا أيضاً ضعيف فإن الضمير فيهما عائد إِلَى واحد ، وأيضًا فإن الملكلين يقولان لمن يعلمانه : { إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ } ، فقد أعلماه تحريمه وسوء عاقبته . وقالت طائفة : إِنَّمَا نفى عنهم العِلْم بعدما أثبته لانتفاء ثمرته وفائدته وهو العمل بموجبه ومقتضاه ، فلما انتفى عنهم العمل بعلمهم جعلهم جهَّالاً لا يعلمون كما يقال : لا علم إلا ما نفع . وهذا حكاه ابن جرير وغيره . وحكى الماوردي قولاً بمعناه ، لكنه جعل العمل مضمرًا وتقدوره " لو كانوا يعملون بما يعلمون " . وقيل : أنهم علموا أن من اشتراه فلا خلاق له أي لا نصيب له في الآخرة من الثواب لكنهم لم يعلموا أنَّه يستحق عليه العقاب مع حرمانه الثواب . وهذا حكاه الماوردي وغيره هو ضعيف أيضاً ، فإن الضميران عادا إِلَى اليهود ، فاليهود لا يخفى عليهم تحريم السحر واستحقاق صاحبه العقوبة وإن عاد إِلَى الذين يتعلمون من الملكين فالملكان يقولان لهم : إِنَّمَا نحن فتنة فلا تكفر ، والكفر لا يخفى عَلَى أحد أن صاحبه يستحق العقوبة ، وإن عاد إليهما وهو الظاهر فواضح . وأيضًا فإذا علموا أن من اشتراه ما له في الآخرة من خلاق فقد علموا أنَّه يستحق العقوبة ؛ لأنّ الخلاق : النصيب من الخير فإذا علم أنَّه ليس له نصيب في الخير بالكلية فقد علم أن له نصيبًا من الشر ؛ لأنّ أهل التكليف في الآخرة لا يخلو واحد منهم عن أن يحصل له إما خيرٌ أو شرٌّ لا يمكن انفكاكه عنهما جميعًا البتة .